محمد بن جرير الطبري
11
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : ومعنى قوله : " يتخبطه الشيطانُ من المسّ " ، يتخبله من مَسِّه إياه . يقال منه : " قد مُسّ الرجل وأُلقِ ، فهو مَمسوس ومَألوق " ، كل ذلك إذا ألمّ به اللَّمَمُ فجُنّ . ومنه قول الله عز وجلّ : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا ) [ الأعراف : 201 ] ، ومنه قول الأعشى : وَتُصْبحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى ، وكأَنَّمَا . . . أَلَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الجِنِّ أَوْلَقُ ( 1 ) * * * فإن قال لنا قائل : أفرأيت من عمل ما نهى الله عنه من الرِّبا في تجارته ولم يأكله ، أيستحقّ هذا الوعيدَ من الله ؟ قيل : نعم ، وليس المقصود من الربا في هذه الآية الأكلُ ، إلا أنّ الذين نزلت فيهم هذه الآيات يوم نزلت ، كانت طُعمتهم ومأكلُهم من الربا ، فذكرهم بصفتهم ، معظّمًا بذلك عليهم أمرَ الرّبا ، ومقبِّحًا إليهم الحال التي هم عليها في مطاعمهم ، وفي قوله جل ثناؤه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
--> ( 1 ) ديوانه : 147 ، وروايته " من غب السرى " ، ورواية اللسان ( ألق ) ، " ولق " ، وهو من قصيدته البارعة في المحرق . ويصف ناقته فيقول قبل البيت ، وفيها معنى جيد في صحبة الناقة : وَخَرْقٍ مَخُوفٍ قَدْ قَطَعْتُ بِجَسْرَةٍ . . . إذَا خَبَّ آلٌ فَوْقَهُ يَتَرَقْرقُ هِيَ الصَّاحِبُ الأدْنَى ، وَبَيْنى وَبَيْنَها . . . مَجُوفٌ عِلاَفِيُّ وقِطْعٌ ونُمْرُقُ وَتُصْبِحُ عَنْ غبّ السُّرَى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . " الخرق " : المفازة الواسعة تتخرق فيها الرياح . " وناقة جسرة " : طويلة شديدة جريئة على السير . و " خب " : جرى . و " الآل " : سراب أول النهار . " يترقرق " : يذهب ويجيء . وقوله : " هي الصاحب الأدنى " ، أي هي صاحبه الذي يألفه ولا يكاد يفارقه ، وينصره في الملمات . و " المجوف " : الضخم الجوف . و " العلافى " : هو أعظم الرجال أخرة ووسطًا ، منسوبة إلى رجل من الأزد يقال له " علاف " . و " القطع " : طنفسة تكون تحت الرحل على كتفي البعير . و " النمرق والنمرقة " : وسادة تكون فوق الرحل ، يفترشها الراكب ، مؤخرها أعظم من مقدمها ، ولها أربعة سيور تشد بآخرة الرحل وواسطته . و " غب السرى " : أي بعد سير الليل الطويل . و " الأولق " : الجنون . ووصفها بالجنون عند ذلك ، من نشاطها واجتماع قوتها ، لم يضعفها طول السرى .